انسحاب سكاي من شراكة إعلامية مثيرة للاتهامات

نشر بتاريخ 06/06/2026
منصة الخبر

أعلنت مجموعة سكاي البريطانية انسحابها من مشروعها التلفزيوني الإخباري المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والمتمثل في قناة سكاي نيوز عربية، بعد سنوات من الشراكة التي جمعت بين الشركة البريطانية ومجموعة الاستثمارات الإعلامية الدولية المعروفة اختصاراً بـIMI، التابعة للشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ومالك نادي مانشستر سيتي الإنجليزي، في خطوة تعكس إعادة توزيع للسلطة التحريرية والمالية داخل المشروع لصالح الشريك الإماراتي الذي سيحتفظ بالعلامة التجارية للقناة بموجب اتفاق ترخيص منفصل تم التوصل إليه في وقت سابق. 



وجاء هذا التطور في أعقاب انتقادات متصاعدة لطريقة تغطية القناة للحرب في السودان، حيث وُجهت إليها اتهامات بإنكار أو تمييع الاتهامات المتعلقة بجرائم محتملة ترقى إلى الإبادة الجماعية في إقليم دارفور من قبل قوات الدعم السريع، وهي اتهامات ارتبطت بدورها باتهامات أوسع لدور الإمارات في دعم هذه القوات عسكرياً ولوجستياً، وهي اتهامات سبق أن تم تناولها في تقارير أممية وإعلامية من بينها تقارير خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحظر السلاح في دارفور.

هذا الانسحاب لا يعني اختفاء العلامة التجارية سكاي نيوز من الشاشة العربية على المدى القصير، إذ يشير تقرير نشرته صحيفة الغارديان إلى أن سكاي كانت قد أبرمت في وقت سابق اتفاقاً منفصلاً يمنح سكاي نيوز عربية حق الاستمرار في استخدام العلامة التجارية لعدة سنوات، حتى مع تخلي الشريك البريطاني عن أي دور في الإدارة التحريرية أو الاستراتيجية للقناة، ما يحول العلاقة إلى ترخيص تجاري للعلامة مقابل عائد مالي دون مشاركة في القرار التحريري أو السياسي.

ومن منظور اقتصاديات الإعلام، يمثل هذا التحول انتقالاً من نموذج شراكة تشغيلية إلى نموذج ترخيص علامة، بما يقلل من تعرض سكاي لمخاطر السمعة المرتبطة بتغطية النزاعات في المنطقة، مع الاحتفاظ بعائد مالي من السوق العربية عبر قيمة العلامة ذات الحضور الواسع لدى الجمهور الناطق بالعربية. وفي الوقت نفسه، يتيح للشريك الإماراتي هامشاً أوسع لإعادة مواءمة خطه التحريري مع أولوياته الإقليمية دون الحاجة إلى التوفيق مع معايير مؤسسات إعلامية بريطانية تخضع لضغوط رقابية وجماهيرية مختلفة.

القضية السودانية تمثل خلفية مركزية في هذه التطورات، بعد أن اتهمت الحكومة السودانية قناة سكاي نيوز عربية بتقديم تغطية تصور الوضع الإنساني والأمني في مدينة الفاشر بصورة متفائلة لا تتطابق مع رواية السلطات السودانية، ما دفعها إلى حظر القناة من العمل داخل البلاد في نوفمبر الماضي، وفق تفاصيل أوردها تقرير النسخة الإنجليزية لموقع العربي الجديد حول قرار الانسحاب.

في الوقت ذاته، رفع السودان دعوى ضد دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية متَّهماً إياها بالتواطؤ في جرائم محتملة ضد جماعة المساليت وغيرها من المجموعات غير العربية في دارفور، وهي دعوى تنفيها أبوظبي بشدة، لكنها تزيد من حدة الضغط على المؤسسات الإعلامية المرتبطة بها في ما يتعلق بطريقة تسمية ووصف ما يجري على الأرض، خاصة مع تقارير متتالية صادرة عن وسائل إعلام دولية تتحدث عن نمط من الانتهاكات واسع النطاق من قبل قوات الدعم السريع.

من زاوية حوكمة الإعلام، يعكس قرار سكاي محاولة لتقليص نقاط الاحتكاك بين متطلبات التنظيم الإعلامي في المملكة المتحدة وبين القيود السياسية والقانونية التي تحكم فضاء الإعلام في الخليج، خاصة أن القنوات الإخبارية العابرة للحدود باتت جزءاً من ميدان التنافس الجيوسياسي، مما يضع المؤسسات الغربية أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على معايير التحرير المستقلة والبحث عن تمويل وشراكات في أسواق ناشئة ذات وزن مالي وسياسي كبير.

ويشير التحول أيضاً إلى أن العلامات الإعلامية الغربية باتت أكثر حساسية لمخاطر الربط بين اسمها وبين اتهامات خطيرة مثل إنكار الإبادات الجماعية أو التغطية غير المتوازنة للنزاعات المسلحة، وهي مخاطر لا تتعلق فقط بسمعة المؤسسة لدى الجمهور، بل أيضاً باحتمال تعرضها لضغوط تشريعية وتنظيمية في بيئاتها الوطنية، حيث تتزايد الدعوات لمساءلة وسائل الإعلام عن معايير التغطية في النزاعات التي تتهم فيها أطراف دولية بارتكاب جرائم جسيمة.

في المقابل، يمنح الاتفاق الجديد الشريك الإماراتي سيطرة كاملة تقريباً على سياسة القناة التحريرية والمالية، ما يمكن أن يعيد تشكيل موقع سكاي نيوز عربية في مشهد القنوات العربية الإخبارية، سواء باتجاه مقاربة أقرب لخطاب الإعلام الرسمي الخليجي أو بمحاولة الحفاظ على مسافة محسوبة للاستفادة من رأس المال الرمزي الذي راكمته القناة خلال سنوات الشراكة مع سكاي.

كما أن هذا الانفصال يتقاطع زمنياً مع انسحاب سكاي من عمليات إخبارية أخرى خارج السوق البريطانية، مثل تقليص حضورها في أستراليا، في إشارة إلى إعادة تركيز الموارد على الأسواق الأساسية أو على منصات رقمية تعتبرها أكثر أولوية من القنوات الفضائية ذات الكلفة العالية والبيئات التنظيمية المعقدة، وهو اتجاه تسلكه مؤسسات أخرى تعيد تقييم حضورها في أسواق تزداد فيها حساسية التوازن بين التمويل والسيطرة التحريرية.

من منظور صحفي يعمل في شمال أفريقيا، يمكن النظر إلى هذه القضية بوصفها مثالاً على تعقّد علاقات الملكية والتحكم في غرف الأخبار العابرة للحدود، حيث تصبح الأسئلة المتعلقة باستقلالية المحتوى، وشفافية التمويل، والقدرة على تسمية الانتهاكات بوضوح، عناصر أساسية في تقييم مصداقية أي شراكة إعلامية دولية. كما يمكن أن تشكل هذه الواقعة مادة تحليلية غنية لرصد كيفية توظيف اتهامات مثل إنكار الإبادة الجماعية في معارك السمعة بين الدول والمؤسسات الإعلامية، وكيف تستجيب العلامات الغربية لهذه الضغوط من خلال إعادة ضبط شبكات شراكاتها أو إعادة صياغة عقود الترخيص بما يقلص مسؤوليتها التحريرية ويحتفظ لها بحضور رمزي في أسواق حساسة سياسياً.